التفاصيل
أبرياء خلف القضبان قبل ولادتهم
مفارقة قانونية تضع الأطفال في مواجهة السجن منذ اللحظة الأولى تخيل أن يفتح طفل عينيه على الحياة لأول مرة ليجد نفسه محاطاً بأسوار السجن بدلاً من دفء المنزل وبيئته الطبيعية هذه الصورة ليست مجرد مشهد بل هي واقع قانوني وإنساني مرير لم يعالجه المشرع العراقي الذي تسري فيه عجلة العدالة دون استثناءات واضحة للأمومة ففي ظل غياب أي نص في القانون العراقي يوقف فيه القاضي المختص من إصدار حكم الإدانة بحق امرأة حامل، يغيب أيضاً النص الصريح الذي يجيز للقاضي تأجيل موعد تنفيذ العقوبة السالبة للحرية لحين وضع الحمل أو إتمام الرضاعة والفطام. والنتيجة هي إيداع المرأة الحامل في السجن لتلد طفلاً يقضي سنواته الأولى خلف القضبان ويدفع ثمن خطأ لم يرتكبه.
ورغم هذا الصمت التشريعي تجاه عقوبات السجن والحبس، تبرز مفارقة قانونية تتمثل في التفات المشرع العراقي لحياة الجنين في الحالات القصوى فقط فقد أشارت المادة 287 من قانون أصول المحاكمات الجزائية إلى تأجيل موعد تنفيذ عقوبة الإعدام بحق المدانة الحامل وذلك بناءً على طلب يقدم من رئيس الادعاء العام إلى وزير العدل بتأجيل الموعد لحين الوضع ومضي مدة أربعة أشهر بعد الولادة أو تخفيف العقوبة. وهنا يطرح تساؤلاً جوهرياً: إذا كان القانون قد استدرك ضرورة حماية الجنين من الموت، ألا يجدر به أيضاً حماية الطفل المولود من بيئة السجن المدمرة اجتماعياً؟
إن بقاء الطفل مع والدته داخل المؤسسة الإصلاحية ولمدة لا تزيد عن ثلاث سنوات، وفق ما نص عليه أحكام قانون إصلاح النزلاء والمودعين رقم 14 لسنة 2018، يعني أن هذا الطفل سيقضي أهم مرحلة في تكوين شخصيته وعقله في بيئة صُممت للعقاب والتأهيل، ولا تتناسب بأي شكل مع براءة الطفولة واحتياجاتها الفطرية. إن هذا الوضع يتقاطع مع ضمانة دستورية عليا الا وهي شخصية العقوبة.
في الوقت الذي تقف فيه تشريعاتنا عند هذا الحد اتجهت أغلب دول العالم والعديد من دول الجوار إلى تبني معالجات إنسانية وقانونية توقف أو تؤجل تنفيذ العقوبات على المرأة الحامل. ومن هذا المنطلق تبدو الحاجة ملحة إلى تبني مقترحات جادة لتعديل النصوص العقابية بما يتيح للقضاء صلاحية تأجيل تنفيذ العقوبة للأم الحامل أو إيجاد "عقوبات بديلة" تضمن قضاء المحكومية خارج أسوار السجن لحين تجاوز الطفل مدة محددة والفطام. إن إيجاد مثل هذه المخرجات القانونية لا يمس بهيبة العدالة، بل يكرس إنسانيتها ويحمي حق الطفولة في النشأة ضمن بيئة صحية وطبيعية.
المحامي
محمد علاء الشمري