التفاصيل

نصوص عالقة في الستينيات وعدالة تنتظر التحديث

تعد عملية "التبليغ القضائي" الركيزة الأساسية التي تقوم عليها المحاكمة العادلة، فهي الوسيلة القانونية الوحيدة التي تضمن علم الخصوم بالدعوى المقامة ضدهم وتمكنهم من ممارسة حقهم في الدفاع. إلا أن المتأمل في نصوص قانون المرافعات المدنية العراقي رقم 83 لسنة 1969، وتحديداً في المواد من 13 إلى 28، يجد أن هذه المنظومة باتت تعاني من "جمود تشريعي" واضح أمام تسارع عجلة الزمن والتطور التكنولوجي الهائل.

عندما صاغ المشرع العراقي مواد التبليغ في أواخر الستينيات، كانت الوسائل المتاحة تنحصر في المباشرة اليدوية عبر المحضرين أو البريد، وللضرورة القصوى عبر الصحف المحلية. كانت هذه الوسائل تلبي الحاجة حينها، لكنها اليوم تحولت إلى عائق يساهم في إطالة أمد التقاضي وتعطيل حسم الدعاوى.

كما ان المادة 21 من قانون المرافعات التي تجيز التبليغ بطريق النشر في صحيفتين يوميتين إذا كان المطلوب تبليغه مجهول السكن، واحدة من أكثر المواد التي "أكل الدهر عليها وشرب". ففي ظل التحول الرقمي فقدت الصحف الورقية بريقها وقوتها التأثيرية حيث لم يعد المواطن العادي يطالع الصحف اليومية لمعرفة الأخبار، بل باتت منصات التواصل الاجتماعي ومواقع الأخبار الفورية هي المصدر الأول والوحيد للمعلومة.

إن التبليغ عبر الصحف اليوم تحول إلى مجرد "إجراء شكلي" مكلف مادياً وغير مجدٍ واقعياً، حيث يمر الإعلان دون أن يراه المعني، مما يؤدي إلى صدور أحكام غيابية قد تتعرض للطعن لاحقاً بحجة عدم العلم، ليعود التقاضي من جديد في حلقة مفرغة.

يتمثل النقص التشريعي في قانوننا الحالي بخلوه من نصوص صريحة تعتمد "التبليغ الإلكتروني" كوسيلة أصلية ونافذة قانوناً. وفي ظل تبني الدولة العراقية لمشاريع رقمية رائدة مثل مشروع "البطاقة الوطنية الموحدة" و"بوابة أور للخدمات الحكومية"، أصبح من السهل جداً ربط التبليغات القضائية برقم الهاتف الموثق للمواطن أو ببريده الإلكتروني المعتمد رسمياً، لتكون حجة قانونية كاملة كبديل عن العناوين السكنية المتغيرة أو الصحف المهجورة.

إن بقاء القضاء رهيناً لإجراءات ورقية كلاسيكية تتطلب جهداً بشرياً مضاعفاً وزماناً طويلاً، يتنافى مع توجه الدولة نحو الحوكمة الإلكترونية. فالتطور التكنولوجي الذي جعل العالم قرية صغيرة، يجب أن ينعكس على القوانين الإجرائية لضمان سرعة الوصول إلى الخصوم وتحقيق اليقين القانوني بالعلم.

خلاصة القول إننا اليوم أمام ضرورة ملحة لتعديل المواد من 13 إلى 28 من قانون المرافعات المدنية، بحيث يتم إدخال "التبليغ الرقمي" كخيار استراتيجي. يجب أن ننتقل من مرحلة "افتراض العلم" عبر النشر في صحف لا يقرأها أحد، إلى مرحلة "تحقيق العلم الفعلي" عبر الوسائل التي يستخدمها الناس في حياتهم اليومية. فتحديث القوانين ليس ترفاً، بل هو ضرورة لحماية الحقوق وصون هيبة القضاء، والقانون الذي لا يواكب تطور المجتمع، يشيخ ويفقد قدرته على تحقيق العدالة.


        المحامي

محمد علاء الشمري