التفاصيل
الجوانب القانونية والجيوإجرامية للاستغلال الجنسي كأحد صور الاتجار بالبشر
يعد الاستغلال الجنسي الصورة الأكثر جسامة وشيوعاً لجرائم الاتجار بالبشر على الصعيد الدولي، إذ أضحى هذا النشاط الإجرامي ملاذاً للجماعات المنظمة التي هجرت تجارة السلاح والمخدرات لصالح "تجارة البشر"؛ نظراً لما يحققه من أرباح فاحشة واستمرارية ناتجة عن كون الضحية في المنظور الإجرامي سلعة غير قابلة للاستهلاك السريع، فضلاً عن انخفاض هامش المخاطرة العقابية مقارنة بالجرائم الكبرى الأخرى. وبالرغم من أن بروتوكول "منع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص وخاصة النساء والأطفال لعام 2000." أورد الاستغلال الجنسي واستغلال دعارة الغير كحد أدنى لصور الاستغلال الموجبة للعقاب، إلا أنه أحجم عن وضع تعريف جامع مانع لهذا المصطلح، وهو ما يعكس الانقسام الحاد الذي شهده وضع مسودة البروتوكول بين اتجاه نادى بحذف العبارة لغموضها ومساسها بمبدأ اليقين القانوني، واتجاه آخر استقر عليه العمل آثر إبقاءها مع ترك سلطة التقدير للمشرع الوطني بكل دولة اتساقاً مع خصوصياتها القانونية والاجتماعية.
وفي سياق الحماية الدولية، وضعت اتفاقية عام 1949 حجر
الزاوية بتجريم إغواء أو تضليل أي شخص بقصد الدعارة حتى مع قيام الرضا، إلا أن
أبشع هذه الصور تتبدى في استغلال الأطفال الذين يشكلون الثروة البشرية للمجتمعات،
وهو ما دفع المجتمع الدولي منذ إعلان ستوكهولم عام 1996 إلى تكثيف الصكوك
القانونية لحماية هذه الفئة، وتوجت بالبروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل
بشأن بيع الأطفال واستغلالهم في البغاء والمواد الإباحية. وعلى الرغم من تبني
التشريعات الوطنية لنهج البروتوكولات الدولية، إلا أنها وقعت في "قصور صياغي"
بعدم تبيان ماهية الاستغلال الجنسي ونطاق تطبيقه، مما أوجد فراغاً قانونياً قد
يربك القائمين على إنفاذ القانون ويخل بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات الذي يفرض
الوضوح والدقة في النصوص العقابية.
وتشير المعطيات الإحصائية الجنائية إلى أن هذه التجارة
غير المشروعة تقسم العالم جغرافياً إلى ثلاث مناطق رئيسية؛ أولاها دول
"العرض" المصدرة للضحايا والتي تعاني غالباً من هشاشة اقتصادية
واضطرابات سياسية، وثانيتها دول "الطلب" المستوردة التي تتمتع برفاهية
مادية واستقرار سياسي يحفز تدفق الضحايا إليها، وأخيراً دول "العبور"
التي تمثل الحلقة اللوجستية والوسيطة بين المنبع والمصب، مما يجعل من مكافحة هذه
الظاهرة معركة قانونية وأمنية عابرة للحدود تتطلب توحيد المفاهيم وتغليظ العقوبات..
المحامي الدكتور ماجد الربيعي
المدير المفوض – شركة المسلة الدولية
خبير في القانون التجاري الدولي