التفاصيل

لا تقادم في الجرائم الجسيمة: القضاء البريطاني ينتصر لضحية عام 1967

في مشهدٍ يجسد القول المأثور بأن "الحق لا يشيخ ولا يموت بالتقادم"، سطر القضاء البريطاني فصلاً استثنائياً في تاريخ العدالة الجنائية، معيداً بريق الأمل في قضايا "الملفات الباردة". فبعد صمتٍ استمر ثمانية وخمسين عاماً، استيقظ الضمير القانوني ليحاكم شيخاً تسعينياً على خطيئة اقترفها في ريعان شبابه، مؤكداً أن يد العدالة، وإن طال انتظارها، تظل ممدودة لتطال الجناة مهما تواروا خلف سياج الزمن.

تعد هذه القضية الأقدم في سجلات المملكة المتحدة التي يماط عنها اللثام بعد عقود من النسيان؛ حيث تعود وقائعها إلى شتاء عام 1967، حين تعرضت السيدة "لويزا دان" التي كانت تبلغ من العمر آنذاك 75 عاماً لجريمة اغتصاب وقتل مروعة داخل جدران منزلها في مدينة بريستول. آنذاك، عجزت الأدوات التقليدية للتحقيق عن فك طلاسم الجريمة، وظل القاتل طليقاً يمارس حياته لعقود، بينما بقيت روح الضحية تنشد إنصافاً تأخر كثيراً، وبقيت الأدلة البيولوجية محفوظة في مخازن الشرطة بانتظار ثورة علمية لم تكن قد ولدت بعد.

لم يكن "رايلاند هيدلي"، المدان البالغ من العمر 92 عاماً، ليتخيل أن التطور المذهل في تقنيات التحليل الجنائي سيكون هو الخصم الذي لا يهزم. ففي عام 2012، قادت الصدفة والقانون بياناته إلى السجلات الجنائية إثر تورطه في قضية اعتداء منفصلة. ومع تقدم تكنولوجيا فحص الحمض النووي (DNA)، تمكن الخبراء من مطابقة العينات المستخلصة من ملابس الضحية "دان" مع بيانات هيدلي، لتبدأ خيوط الجريمة العتيقة بالتشابك من جديد حول عنق الجاني، مدعومةً بسجل أسود كشفه الادعاء العام، يظهر نمطاً سادياً متكرراً في اعتداءاته على النساء المسنات خلال سبعينيات القرن الماضي.

ورغم محاولات الدفاع الاستناد إلى وهن المتهم وكبر سنه المفرط وحالته الصحية المتردية كذريعة لتخفيف الحكم، إلا أن المحكمة انتصرت لجلال الحق وفداحة الجرم. فقد أكد القاضي في منطوق حكمه أن فظاعة الجريمة، وإصرار الجاني على إخفاء سره المظلم لأكثر من نصف قرن دون أدنى وازع من ندم، تستوجب إنزال العقوبة القصوى. وهكذا، صدر الحكم بالسجن المؤبد، مع اشتراط قضاء مدة لا تقل عن عشرين عاماً خلف القضبان، وهو حكم يحمل في طياته دلالة رمزية تتجاوز سنوات عمر المتهم المتبقية.

إن هذا الحكم ليس مجرد إدانة لرجل هرم، بل هو انتصار أخلاقي وقانوني يبرهن على أن الجرائم التي تنتهك النفس والعرض لا تسقط بمرور الأيام، لا في ميزان الأخلاق ولا في موازين القضاء. إنها رسالة طمأنة للمجتمعات بأن الحقيقة، مهما دفنت تحت ركام السنين، ستجد دائماً طريقاً للظهور، وأن العلم حين يسخر لخدمة العدالة يصبح أقوى من النسيان. إن قضية "لويزا دان" تفتح اليوم الباب على مصراعيه لمراجعة آلاف الملفات المؤرشفة، لتؤكد لكل ضحية أن العدالة قد تمهل، لكنها أبداً لا تهمل.

 

 

المحامي الدكتور ماجد الربيعي

المدير المفوض شركة المسلة الدولية

خبير في القانون التجاري الدولي