التفاصيل
الاتجار بالبشر: دراسة تحليلية في ضوء البروتوكول الدولي والقانون العراقي
تضرب ظاهرة الاتجار بالبشر بجذورها في أعماق التاريخ الإنساني؛ حيث كان الاستغلال غاية، والاستعباد وسيلة، وأسواق النخاسة مجالاً تجارياً مشروعاً آنذاك. ورغم التطور الحضاري والمدني، لم تندثر هذه الظاهرة، بل استبدلت أصفادها التقليدية بأقنعة عصرية وصور مستحدثة، لتغدو اليوم انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان وجريمة منظمة عابرة للحدود، تصنف عالمياً كثالث أكبر تجارة غير مشروعة بعد السلاح والمخدرات.
وقد
تضافرت الجهود الدولية لمحاربة هذه الجريمة عبر اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة
الجريمة المنظمة عبر الوطنية لعام 2000، والتي أُلحق بها بروتوكول منع وقمع
ومعاقبة الاتجار بالأشخاص، وخاصة النساء والأطفال. وقد وضع هذا البروتوكول في
مادته الثالثة (فقرة أ) أول تعريف دولي جامع للظاهرة، نص على أنها: "تجنيد
أشخاص أو نقلهم أو تنقيلهم أو إيواءهم أو استقبالهم بواسطة التهديد بالقوة أو
استعمالها أو غير ذلك من أشكال القسر أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو
استغلال السلطة أو استغلال حالة استضعاف أو بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا
لنيل موافقة شخص له سيطرة على شخص أخر لغرض الاستغلال، ويشمل الاستغلال كحد أدنى،
استغلال دعارة الغير أو سائر أشكال الاستغلال الجنسي، أو السخرة أو الخدمة قسراً
أو الاسترقاق أو الممارسات الشبيهة بالرق أو الاستعباد أو نزع الأعضاء".
ومن
الناحية الإجرائية، حسمت الفقرة (ب) من ذات المادة مسألة "الرضا"، فنصت
على أنه: "لا تكون موافقة ضحية الاتجار بالبشر على الاستغلال المقصود المبين
في الفقرة الفرعية (أ) من هذه المادة محل اعتبار في الحالات التي يكون قد استعمل
فيها أي من الوسائل المبينة في الفقرة الفرعية (أ)". ويأتي هذا النص ليؤكد
بطلان أي موافقة أولية تبديها الضحية متى ما اقترنت بوسائل القسر أو الخداع. كما
قررت الفقرة (ج) حماية خاصة للقاصرين، فاعتبرت "تجنيد طفل أو نقله أو تنقليه
أو إيواءه أو استقباله لغرض الاستغلال اتجاراً بالأشخاص حتى إذا لم ينطو على
استعمال أي من الوسائل المبينة في الفقرة الفرعية (أ)"، معرفة الطفل في
الفقرة (د) بأنه "أي شخص دون الثامنة عشر من العمر".
وعلى
صعيد التشريع الوطني العراقي، فقد استجاب المشرع لهذه المتطلبات الدولية بإصدار
قانون مكافحة الاتجار بالبشر رقم 28 لسنة 2012، والذي عرف الجريمة في مادته الأولى
بأنها: "تجنيد أشخاص أو نقلهم أو إيواؤهم أو استقبالهم بواسطة التهديد بالقوة
أو استعمالها أو غير ذلك من أشكال القسر أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو
استغلال السلطة أو بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سلطة
أو ولاية على شخص آخر بهدف بيعهم أو استغلالهم في أعمال الدعارة أو الاستغلال
الجنسي أو السخرة أو العمل ألقسري أو الاسترقاق أو التسول أو المتاجرة بأعضائهم
البشرية أو لأغراض التجارب الطبية".
وبمقارنة
النصين، يتضح أن المشرع العراقي قد استلهم أركان الجريمة من البروتوكول الدولي،
إلا أنه أورد تعديلات تثير جملة من الملاحظات القانونية؛ فقد أغفل النص العراقي
وسيلة "استغلال حالة الاستضعاف"، واستبعد صورتي "الاستعباد
والممارسات الشبيهة بالرق" من قائمة الاستغلال. كما استبدل عبارة "نزع
الأعضاء" بـ "المتاجرة بالأعضاء البشرية"، وهو تعديل منتقد لكون
"النزع" أوسع دلالة وأكثر دقة في شمول الحالات التي لا تهدف للمتاجرة،
فضلاً عن خلطه المحتمل مع قانون عمليات زرع الأعضاء البشرية رقم 85 لسنة 1986.
كذلك،
يلاحظ أن المشرع العراقي أورد صور الاستغلال على سبيل الحصر لا المثال، وأضاف
"البيع" و"التجارب الطبية" كأغراض قائمة بذاتها، وهو ما يعد
موقفاً إيجابياً في جانب التجارب الطبية لتعزيز حماية الإنسان. ومع ذلك، يؤخذ على
النص عدم تضمينه استثناءً للأطفال من شرط استخدام الوسائل (كما فعل البروتوكول في
المادة 3/ج)، مما يعني أن الجريمة بحق الطفل في القانون العراقي لا تتحقق إلا
بتوفر الوسائل القسرية، وهو قصور تشريعي يعيق حماية الفئات الأكثر ضعفاً كالأطفال
الرضع.
المحامي الدكتور
ماجد الربيعي
المدير المفوض –
شركة المسلة الدولية
خبير في القانون
التجاري الدولي