التفاصيل

الولاية الدستورية بين الانقضاء والاستمرار: قراءة في المنهج التفسيري للمحكمة الاتحادية العليا لحدود السلطات

يعد قرار المحكمة الاتحادية العليا رقم 213/اتحادية/2025 خطوةً تفسيرية متقدمة في ضبط الإطار الدستوري لدورية السلطة التشريعية ولحظة الانتقال بين برلمان منتهية ولايته وآخر لم يولد بعد. فالمحكمة لم تتعامل مع النصوص بوصفها صيغاً جامدة، بل قصدت إلى استجلاء الروح الدستورية التي يقوم عليها مبدأ التداول السلمي للسلطة، ورسمت من خلال القرار حدود الولاية، ومقدار ما تبقى من حياة دستورية للسلطات عند انقضاء آجالها.

انطلقت المحكمة من قاعدة أساسية مؤداها أن الولاية التشريعية ليست امتيازاً مفتوحاً بل زمن محدد ينقضي بانقضاء مدته من غير حاجة إلى أي إجراء آخر. ولهذا اعتبرت أن يوم الاقتراع العام هو اللحظة التي تنطفئ عندها شرعية المجلس القائم، إذ تنتهي صلاحيته بصفته سلطة تمثيلية بمجرد حلول الموعد المحدد دستورياً لتجديد الإرادة الشعبية. بهذا المعنى فإن المجلس لا يفقد فقط نشاطه، بل يفقد أهليته الوظيفية نفسها، لأن ممارسة الوظيفة دون سند زمني تعد في الفهم الدستوري امتداداً غير مشروع للسلطة.

ومن هذا المنطلق أعادت المحكمة تحديد شكل العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية بعد انتهاء ولاية الأولى. فغياب مجلس النواب المنتخب يعني غياب الرقابة والمساءلة، وهو ما يستحيل معه الإبقاء على حكومة تعمل بصلاحيات كاملة، إذ لا سلطة تنفيذية مكتملة ما لم تقابلها سلطة رقابية فاعلة. ولهذا ضيقت المحكمة نطاق عمل مجلس الوزراء وجعلته محصوراً في حدود تصريف الأعمال اليومية، باعتبارها وظيفة اضطرارية تضمن استمرار المرفق العام من دون أن تفتح الباب أمام قرارات كبرى تحكم مستقبل الدولة في غياب الهيئة المنتخبة المخولة بالمحاسبة.

أما منصب رئيس الجمهورية، فقد تناولته المحكمة بزاوية مغايرة؛ إذ رأت أن الرئاسة لا ترتبط زمنياً بدورة البرلمان المنتهية، بل ترتبط بإجراءات انتخاب خلف له من قبل المجلس الجديد. ومن خلال هذا الفهم تبنت المحكمة فكرة الاستمرارية الدستورية، وهي فكرة تهدف إلى منع الفراغ في رأس الدولة بوصفه رمزاً لوحدة البلاد، فوجود الرئيس لا يقوم على مبدأ الدورية الزمنية كالمجلس، بل على مبدأ الاستمرار حتى اكتمال انتخاب الرئيس الجديد عبر الآلية الدستورية المقررة، مما يجعل بقاؤه ضرورةً لضمان تماسك البناء الدستوري في لحظة الانتقال.

ويكشف القرار في مجمله عن منهج تفسيري يراعي غاية النصوص أكثر مما يتوقف عند ظاهرها، ويمنح الاعتبار الأكبر للمقاصد التي يقوم عليها النظام البرلماني: فلا تمديد خارج المدد، ولا صلاحيات بلا رقابة، ولا فراغ يهدد انتظام مؤسسات الدولة. وبهذا التحليل، يصبح القرار أكثر من مجرد حكم في نزاع؛ إنه إعادة رسم للحدود التي تمارس فيها السلطات وظائفها، وتأكيد على أن الدستور ليس وثيقة شكلية، بل سلطة عليا تضبط الزمن السياسي وتمنع تغول أي جهة على حساب أخرى.

ويمكن القول إن المحكمة، بهذا القرار، عززت مشروعية التداول، ومنعت تآكل المدد الدستورية، وأرست فهماً جديداً لموقع الحكومة والرئاسة في الفترات الانتقالية، وهو فهم يجعل من الانتقال بين دورتين عملية منتظمة لا تشوبها الفوضى ولا تفتح فيها أبواب التأويل السياسي. إنه قرار يضع الدولة أمام مسار دستوري واضح ويؤكد أن الشرعية تستمد من الزمن المحدد لها لا من الظروف التي تحيط بها.

 

المحامي الدكتور ماجد الربيعي

المدير المفوض شركة المسلة الدولية

خبير في القانون التجاري الدولي