التفاصيل

تصحيح القرار التمييزي بين فلسفة المشرع وإشكالية التطبيق العملي

إن تصحيح القرار التمييزي في قانون المرافعات المدنية العراقي رقم (83) لسنة 1969 المعدل يمثل طريقاً من طرق الطعن غير العادية، وقد نظم المشرع أحكامه في الفصل السادس من القانون. ووفقاً للمادة (219/أ) فإن الطعن لا يقبل إلا في القرارات التمييزية المصدقة للحكم أو تلك الصادرة بنقضه إذا فصلت في موضوع الدعوى، وبشروط محددة، منها أن تكون محكمة التمييز قد أغفلت تدقيق سبب قانوني جوهري أورده طالب التصحيح، أو إذا خالف القرار التمييزي نصاً صريحاً في القانون، أو إذا كان القرار ينطوي على تناقض مع نفسه أو مع قرار سابق في الدعوى ذاتها. وبذلك فإن المشرع جعل من التصحيح وسيلة استثنائية للغاية، لا يلجأ إليها إلا عند وجود خطأ قانوني جسيم في القرار التمييزي نفسه.

غير أن الواقع العملي في دوائر الدولة يبين أن كثيراً من الموظفين الحقوقيين يتعاملون مع هذا الطريق كما لو كان من طرق الطعن العادية، فيمارسونه بصورة روتينية خوفاً من المساءلة الإدارية أو المحاسبة، دون إدراك لطبيعته القانونية الاستثنائية. وهذا السلوك يخلق ضغطاً غير مبرر على محكمة التمييز، فيثقل كاهلها بمئات الدعاوى التي تفتقر لجدوى قانونية حقيقية، ويثقل كاهلها بعمل روتيني يتنافى مع الغاية التشريعية الأصلية.

وقد وضع المشرع ضمانة للحد من هذه الممارسات غير المجدية عبر فرض تأمينات مالية عند تقديم طلب التصحيح، حيث نصت المادة (222/2) على أن “على طالب التصحيح أن يضع تأمينات في صندوق المحكمة مقدارها عشرون ديناراً عند تقديم العريضة”. ثم أوجبت المادة (223/2) مصادرة هذه التأمينات وإيداعها في خزينة الدولة إذا رأت المحكمة أن الطلب لا يستند إلى سبب قانوني، بينما تقضي المادة (223/1) بإعادة هذه التأمينات لطالب التصحيح إذا قبل الطلب وصحح القرار. إن الحكمة التشريعية من هذا النص واضحة، وهي ردع الطعون الشكلية، وضمان أن يقدم طلب التصحيح فقط في الحالات التي تتوافر فيها أسباب جدية وقانونية معتبرة.

 

وبالرغم من أن الرسوم والتأمينات قد جرى تعديلها لاحقاً وأصبحت (1000) دينار بدلاً من (20) ديناراً، إلا أن هذا المبلغ في ظل المتغيرات الاقتصادية الحالية ما زال لا يحقق الردع المطلوب، ولا يمنع تدفق الطعون الروتينية التي لا تستوفي شروط المواد (219223). ومن ثم فإن المنطق التشريعي والغاية من النصوص يقتضيان زيادة قيمة التأمينات بما يجعل طالب التصحيح يعيد النظر جدياً قبل اللجوء لهذا الطريق، ويقدر خطورة تقديم طلب لا يستند إلى أساس قانوني صحيح.

إن استمرار الخلط بين الطرق العادية للطعن كالاستئناف والتمييز، وبين الطريق غير العادي المتمثل في التصحيح، لا يضر فقط بسير العدالة وإنما يؤدي أيضاً إلى إضعاف هيبة النظام القضائي وإهدار وقت محكمة التمييز في دعاوى لا تستوفي الشروط القانونية. لذا، فإن الواجب يقتضي التوعية المستمرة للحقوقيين وموظفي الدولة، وترسيخ الفهم الصحيح لمفهوم التصحيح التمييزي باعتباره طريقاً استثنائياً لا يمارس إلا لرفع خطأ قانوني جسيم، لا أن يكون مجرد عبء إجرائي أو وسيلة دفاع شكلي.

وبذلك يظل تصحيح القرار التمييزي أداة دقيقة لحماية العدالة وضمان استقرار الأحكام، شرط أن يمارس وفق نصوص القانون وحكمته التشريعية، لا أن يتحول إلى طقس إداري يثقل كاهل القضاء ويبتعد عن الهدف الأسمى الذي قصده المشرع.

 

 

المحامي الدكتور ماجد الربيعي

المدير المفوض شركة المسلة الدولية

خبير في القانون التجاري الدولي