التفاصيل

ميزان الاستدامة: قراءة قانونية في مؤشرات التنمية العادلة

تمثل المؤشرات في لغة القانون التنموي المعاصر البدائل الكمية والمقاييس العلمية التي تخرج المفاهيم المجردة من حيز التنظير إلى حيز القياس والوصف؛ فهي الأداة التي تصف حالة التغير في حقل معين لبيان مستوى الإنجاز المحقق فيه. وإذا كانت المؤشرات التقليدية قد انحبست طويلاً في قيد النمو الاقتصادي المحض، فإن مؤشرات التنمية المستدامة قد أحدثت ثورة مفاهيمية بربطها الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والبيئية في نسق متكامل لا يقبل التجزئة. لقد ولدت هذه المؤشرات تحت وطأة الحاجة الدولية، وبضغط من منظمة الأمم المتحدة وقمة الأرض، لتصل اليوم إلى ما يقارب 130 مؤشراً يستند في مرجعيته القانونية إلى "أجندة القرن الحادي والعشرين". وتعد هذه المقاييس بوصلةً لصناع القرار، إذ تفرض اتخاذ إجراءات صارمة على المستويين الوطني والدولي لضمان عدم الحياد عن المسار الذي يحفظ حقوق الأجيال القادمة.

في البعد الاجتماعي، تبرز الصحة العامة كأولى القضايا المحورية؛ فالاستدامة الحقيقية لا تستقيم مع تدهور المؤشرات الصحية الناتجة عن التلوث أو الفقر، ويقاس النجاح هنا بمعدلات وفيات الأمهات والأطفال، وبمتوسط العمر المتوقع عند الولادة. ويرتبط ذلك ارتباطاً وثيقاً بالواقع الديموغرافي، حيث تسود علاقة عكسية بين النمو السكاني المتسارع وقدرة الدولة على توفير الموارد، لا سيما في ظل التوقعات القاتمة التي تشير إلى قفز تعداد سكان العالم إلى 11 مليار نسمة بحلول نهاية القرن. هذا الانفجار السكاني يضع نصيب الفرد من المساحة السكنية والموارد الغذائية على المحك، ويجعل من مؤشر "نصيب الفرد من الأمتار المربعة في الأبنية" معياراً لكرامة السكن. ولا يكتمل البناء الاجتماعي إلا بالتعليم، الذي يعد المحرك الأساسي للتوعية المستدامة، حيث تقاس كفاءة المنظومة بمعدلات الالتحاق بالمدارس ومحو الأمية، وبالتوازي مع مؤشر الأمن الاجتماعي الذي يقيس استقرار المجتمع من خلال انخفاض معدلات الجريمة، وصولاً إلى غاية التنمية الكبرى وهي "المساواة الاجتماعية" التي تتجلى في نسبة السكان الذين يعيشون فوق خط الفقر وفي عدالة توزيع الفرص.

أما على الصعيد البيئي، فإن الاستدامة تضع المحيطات والبحارالتي تغطي 70% من الكوكبتحت مجهر الإدارة المستدامة، لمواجهة الاستنزاف الجائر للموارد الحية والتلوث الناجم عن الأنشطة البرية والبحرية، ويظل مؤشر كثافة السكان في المناطق الساحلية دليلاً على حجم الضغط البشري على النظم الإيكولوجية المائية. ويمتد هذا الاهتمام ليشمل الغلاف الجوي عبر مكافحة التغير المناخي ونضوب طبقة الأوزون، وهو التزام تفرضه معاهدات دولية مثل اتفاقية باريس وبروتوكول كيوتو، حيث يُعد انبعاث الغازات الدفيئة المؤشر الأهم في هذا الحقل. وبالمثل، تبرز قضية استخدام الأراضي كصورة عاكسة للقرارات السياسية الرشيدة، خصوصاً في مكافحة التصحر وحماية التنوع الحيوي الذي يعد مخزناً استراتيجياً للأمن الغذائي والدوائي، حيث يقاس هذا التنوع بنسبة الكائنات المهددة بالانقراض ومساحة المحميات الطبيعية، جنباً إلى جنب مع مؤشر "الأمن المائي" الذي يراقب كمية ونوعية المياه العذبة المتاحة في ظل شبح الشح المائي الذي يهدد ثلث سكان العالم.

وفي الجانب الاقتصادي، تتجسد الاستدامة في قدرة الدولة على تحقيق نمو إيجابي في ناتجها المحلي الإجمالي، شريطة أن يصاحب ذلك "تنويع هيكلي" يحرر الاقتصاد من قيود الريع والارتهان لمورد واحد، مما يفتح آفاقاً لفرص عمل أكثر إنتاجية. إن الاستثمار في البنية التحتية والقطاعات الخدمية كالتعليم والصحة هو الوقود الحقيقي لهذا النمو، بينما تظل نسبة الصادرات إلى الواردات ميزاناً لفاعلية التجارة الخارجية. وتعد الديون الخارجية نسبةً إلى الناتج المحلي الإجمالي مؤشراً حرجاً يقيس مستوى الأعباء التي تثقل كاهل الأجيال القادمة، حيث تنذر النسب المرتفعة بضعف القدرة على سداد الالتزامات دون استنزاف الموارد. ويختتم هذا البعد بمؤشرين يلامسان حياة الفرد مباشرة: معدل البطالة، الذي يعكس مدى استغلال القوة البشرية في الإنتاج، ومتوسط نصيب الفرد من الدخل القومي الحقيقي، الذي يظل المرآة الأصدق لدرجة التنمية الاقتصادية وأثرها الاجتماعي الملموس على رفاهية المواطن.

المحامي الدكتور ماجد الربيعي

المدير المفوض شركة المسلة الدولية

خبير في القانون التجاري الدولي