التفاصيل

تراتبية السلطة ووحدة الدولة: قراءة في الموضِع الدستوري للمحافظ ضمن النظام الاتحادي العراقي

تنبثق إشكالية العلاقة بين المركز والوحدات المحلية في العراق من قراءة قاصرة أحياناً لمفهوم اللامركزية، مما يستدعي استقراءً عميقاً للمنظومة الدستورية والقانونية لضبط إيقاع العمل الإداري ومنع التداخل بين الصلاحيات الخدمية والسيادة الوطنية. إن المنطلق الأساسي لهذه العلاقة يتجسد في المادة الأولى من الدستور العراقي، التي زاوجت بين طبيعة الدولة "الاتحادية" وصفة "الوحدة" المستقلة، وهو مزيج مقصود لبيان أن التعددية الإدارية لا تعني بأي حال من الأحوال تجزئة الإرادة السياسية أو التنفيذية للدولة؛ فالدستور العراقي حين أقر النظام الاتحادي، أراده وسيلة لتوزيع الأعباء التنموية وتقريب الخدمات من المواطن، وليس خلق كيانات سياسية مستقلة تتنازع السيادة مع السلطة المركزية، مما يجعل أي نزوع نحو الاستقلال بقرار المحافظة بعيداً عن الرؤية الاتحادية خروجاً عن مقتضيات العقد الدستوري الضامن لوحدة البلاد.

وفي هذا الإطار التحليلي، يبرز خلط مفاهيمي لدى البعض بين الاستقلال الإداري والمالي الذي كفلته المادة (122) من الدستور العراقي لمجلس المحافظة، وبين الصلاحيات التنفيذية للمحافظ؛ فمجلس المحافظة بوصفه هيئة رقابية وتشريعية محلية يمتلك مساحة من الاستقلال لتمثيل إرادة أبناء المحافظة، أما المحافظ فهو يرتدي قبعة "المسؤول التنفيذي" الذي يقع ضمن الهيكل الإداري العام للدولة العراقية. وقد حسم قانون المحافظات غير المنتظمة في إقليم العراقي رقم (21) لسنة 2008 المعدل هذا الاشتباك، حين حدد في المادة (31) مهام المحافظ بكونها تنفيذاً للسياسات العامة التي تضعها الحكومة الاتحادية، وهذا يعني أن المحافظ في المحافظات العراقية هو "وكيل تنفيذ" للسياسات الوطنية في نطاقه الجغرافي، وليس "رئيس دولة مصغر" يمتلك حق الرفض أو الاعتراض على التوجهات العامة الصادرة من بغداد، طالما أنها تقع ضمن المشتركات الدستورية والوطنية.

إن السيادة التنفيذية في العراق تجد مستقرها في المادة (78) من الدستور العراقي، التي منحت رئيس مجلس الوزراء صفة المسؤول التنفيذي المباشر عن السياسة العامة للدولة، وهي ولاية عامة تمتد لتشمل كافة المرافق والمؤسسات التنفيذية في البلاد، بما فيها المحافظات؛ فالمحافظ لا يمكن أن يكون بمعزل عن هذه التراتبية الإدارية، لأن غياب الإشراف الاتحادي يعني انهيار وحدة الإدارة وتشتت السياسات الوطنية في جزر معزولة. وقد أكدت المحكمة الاتحادية العليا في العراق في أحكامها، ولاسيما القرار (236/اتحادية/2024)، أن صفة الانتخاب التي يتمتع بها المحافظ لا تمنحه حصانة ضد الرقابة الاتحادية، بل هي مجرد آلية ديمقراطية لاختيار القيادات المحلية تحت سقف الدولة، فالمسؤولية التنفيذية هي سلسلة متصلة تبدأ من قمة الهرم في مجلس الوزراء وتنساب لتشمل المحافظين، بما يضمن انسجام الأداء الحكومي وتوحيد بوصلة التنمية.

وعليه، فإن اللامركزية في التجربة العراقية هي لامركزية "وظيفية" وليست "سيادية"، والانتخاب المحلي للمحافظ لا يؤسس لسلطة ندية لرئيس الوزراء، بل هو تفويض للإدارة الناجحة ضمن إطار الدولة الواحدة؛ فالمحافظ في المحافظات العراقية يستمد شرعيته من الدستور الذي أوجب عليه الخضوع للسياسة العامة، وإن أي محاولة لتصوير المحافظة ككيان مستقل سياسياً تضرب في صميم مبدأ "المشروعية" الذي يقوم عليه النظام القانوني العراقي. إن المحافظ هو حلقة الوصل بين احتياجات المواطن المحلي ورؤية الدولة الكلية، وقوته الحقيقية تكمن في قدرته على مواءمة هذه الاحتياجات مع القوانين الاتحادية، ليظل المحافظ في نهاية المطاف موظفاً بدرجة عليا في خدمة الدولة العراقية، يأتمر بأمر قانونها ويلتزم بوحدتها، لأن المحافظة جزء من جسد الدولة، ولا يمكن للجزء أن يعمل بمعزل عن الرأس أو بضدية من توجهات الجسد الواحد.

 

المحامي الدكتور ماجد الربيعي

المدير المفوض شركة المسلة الدولية

خبير في القانون التجاري الدولي