التفاصيل
تمديد الحظر الأوروبي على الطيران العراقي: عندما لا تُحلّق النصوص القانونية كما يجب.
مرة أخرى، يعلن الاتحاد الأوروبي تمديد الحظر المفروض على دخول شركات الطيران العراقية إلى مجاله الجوي، لا بوصفه إجراءً سياسياً أو تمييزاً عنصرياً كما تحاول بعض الجهات الترويج، بل نتيجة قانونية مباشرة لإخفاق الخطوط الجوية العراقية في الامتثال للحد الأدنى من معايير السلامة الجوية الدولية. والحقيقة أن هذا الحظر لا يمثل أزمة أوروبية، بل فضيحة وطنية، لأن العراق لا يمنع من الطيران لأسباب خارجية، بل لأنه لا يطبق المعايير التي التزم بها قانوناً منذ أكثر من سبعة عقود.
لقد
انضم العراق إلى اتفاقية الطيران المدني الدولي (اتفاقية شيكاغو) في 5 كانون الأول/
1946، أي بعد عامين فقط من اعتمادها، والمصادق عليها بموجب القانون رقم (6) لسنة
1947، ليكون من أوائل الموقعين عليها في
المنطقة، قبل معظم الدول العربية. وهذه الاتفاقية ليست مجرد إطار عام، بل اتفاق
ملزم قانوناً. ترتب التزامات واضحة على الدول الأعضاء، في مقدمتها إنشاء نظام
رقابي مستقل للطيران المدني يضمن سلامة الطائرات، وكفاءة الطواقم، والامتثال الفني
للمعايير الدولية، وهو ما عبرت عنه المادة 37 من الاتفاقية وملحقاتها التسعة عشر،
وعلى رأسها الملحق 1 الخاص بكفاءة الطواقم، والملحق 6 المتعلق بصيانة وتشغيل
الطائرات، والملحق 8 الخاص بمعايير صلاحية الطائرات للطيران.
لكن
العراق، ورغم أسبقيته في الانضمام، فشل في إنشاء منظومة رقابية فاعلة ومستقلة،
وظلت سلطته للطيران المدني خاضعة للنفوذ الإداري والسياسي، دون استقلال مؤسسي أو
مهني. وفي الوقت الذي نجحت فيه دول مثل قطر والإمارات، رغم انضمامها المتأخر نسبياً
(قطر في 1971 والإمارات في 1972)، في بناء قطاع طيران يعد من الأفضل عالمياً، ما
يزال العراق غارقاً في التعيينات السياسية والتشريعات القديمة، دون تحديث فعلي أو
خارطة طريق واضحة.
والأخطر
أن هذا الإخفاق ليس إدارياً فقط، بل قانوني من الدرجة الأولى، لأن العراق، بعد أن
أصبح طرفاً في اتفاقية شيكاغو، ملزم أمام المجتمع الدولي بتنفيذ التزاماته،
ومخالفتها تعد خرقاً لنصوص صريحة في الاتفاقية، ما يعطي الأطراف الأخرى، ومنها
الاتحاد الأوروبي، الحق في اتخاذ إجراءات احترازية لحماية أجوائها. وهذا ما حصل
فعلاً؛ حيث أصدرت وكالة سلامة الطيران الأوروبية
(EASA) تقارير متعددة تثبت عدم كفاءة النظام الرقابي
العراقي، وغياب تطبيق التوصيات الفنية المطلوبة، سواء في متابعة الشركات الوطنية،
أو في مواءمة التشريعات والتعليمات الداخلية مع المعايير العالمية.
إن
تكرار تمديد الحظر الأوروبي على الطيران العراقي لا يعكس موقفاً خارجياً متحيزاً،
بل يكشف عن خلل داخلي مستمر وعجز مؤسسي عن بناء منظومة طيران مدني تفي بمتطلبات
السلامة الدولية. ففي الوقت الذي تمكنت فيه دول عربية مثل الأردن والمغرب وتونس
ولبنان من رفع القيود الأوروبية المفروضة على شركاتها الوطنية بعد تنفيذها خططاً
جادة للإصلاح وتحديث أنظمتها الرقابية، لا تزال شركات الطيران العراقية ممنوعة من
التحليق في الأجواء الأوروبية، رغم انتمائها إلى دولة تمتلك من الموارد البشرية
والفنية ما يؤهلها لتكون مركزاً إقليمياً للطيران المدني في المنطقة
وما
يجب التوقف عنده بجدية أن استمرار هذا الإخفاق يمثل أيضاً انتهاكاً ضمنياً لحق
المواطن العراقي في السفر الآمن، والتنقل على متن ناقل وطني يستوفي المعايير
الدولية. إذ من غير المعقول أن يجبر العراقي على استخدام خطوط أجنبية لمجرد أن
سلطته التنفيذية عجزت عن استيفاء متطلبات دولية بسيطة تتعلق بالسلامة والتنظيم.
وبذلك تتحول الأزمة من مجرد خلل فني إلى تمييز مؤسسي داخلي ضد الشعب العراقي نفسه،
يثير المسؤولية القانونية للحكومة، ويفتح باب المساءلة الدستورية والإدارية.
إن
إصلاح هذا الملف لا يتطلب دعوات سياسية أو خطابات وطنية، بل يبدأ بتطبيق حرفي
لمتطلبات اتفاقية شيكاغو، بدءاً من إصلاح الهيكل المؤسسي للطيران المدني، وتعديل
التشريعات القديمة، وإنشاء سلطة رقابية مستقلة، قادرة على إجراء التدقيقات
اللازمة، وفرض الامتثال على الشركات الناقلة. وهو التزام قانوني لا يحتمل التسويف،
لأن استمرار العراق في خرق التزاماته لن يؤدي فقط إلى تآكل سمعته الدولية، بل إلى
حرمانه مستقبلاً من الشراكات الجوية والنقل العابر، وربما يؤدي إلى حظر دولي أوسع
يشمل أجواء أخرى خارج الاتحاد الأوروبي.
الخلاصة
أن الحظر الأوروبي لم يكن يوماً نتيجة لاستهداف العراق، بل نتيجة مباشرة لإخفاقه
في الامتثال القانوني، وأن الخروج من هذه الدائرة لا يكون بالشكوى، بل بالاعتراف
بالتقصير، ووضع خطة إصلاح واقعية تنطلق من احترام الاتفاقيات التي وقعها العراق
بإرادته، والتزامه بحماية أرواح مواطنيه، وكرامة ناقله الوطني.
المحامي الدكتور ماجد
الربيعي
المدير المفوض –
شركة المسلة الدولية
خبير في القانون
التجاري الدولي