التفاصيل

إشكالية الأوامر الولائية للمحكمة الاتحادية العليا وأثرها على التوازن الدستوري بين السلطات

يمثل قرار المحكمة الاتحادية العليا القاضي بوقف تنفيذ قانون العفو العام عبر "أمر ولائي" منعطفاً قانونياً يثير تساؤلات جوهرية حول حدود الرقابة القضائية ومدى مواءمتها لمبدأ الفصل بين السلطات في العراق. فبالرغم من أن الأصل في الأوامر الولائية أنها إجراءات وقتية تحفظية تهدف لحماية مراكز قانونية مهددة بخطر الاستعجال، إلا أن تحولها إلى أداة لتعطيل تشريع أقره البرلمان وفق سياقاته الدستورية يخرج بها عن إطارها التقليدي في قانون المرافعات المدنية، ليحولها إلى وسيلة لتعطيل الإرادة التشريعية قبل الفصل في أصل النزاع الدستوري.

إن التمييز الفقهي بين القرارات الدستورية الباتة والملزمة وفق المادة (94) من الدستور، وبين الأوامر الولائية التي تتسم بالطبيعة المؤقتة، يفرض عدم منح الأخيرة ذات القوة الإلزامية المطلقة التي تتمتع بها الأحكام النهائية. ومع ذلك، فإن اعتماد المحكمة على المادة (39) من نظامها الداخلي رقم (1) لسنة 2022 لإصدار هذه الأوامر يثير إشكالية في التطبيق؛ إذ إن استعارة نصوص قانون المرافعات المدنية (المادتين 151 و152) مع إغفال حق "التظلم والطعن" الوارد في المادة (153) بحجة أن قرارات المحكمة باتة، يؤدي عملياً إلى حرمان المتضرر من وسيلة دفاع قانونية أساسية، ويحول الإجراء التحفظي إلى حكم نهائي واقعي يعطل نصوصاً قانونية نافذة دون مراعاة لمبدأ استقرار المراكز القانونية.

إن هذا المسلك القضائي يضع مبدأ الفصل بين السلطات المنصوص عليه في المادة (47) من الدستور على المحك؛ فالسلطة التشريعية تمتلك الاختصاص الحصري في سن القوانين، بينما تقتصر ولاية القضاء الدستوري على الرقابة اللاحقة بعد استكمال إجراءات المحاكمة الدستورية. وعندما تلجأ المحكمة لتعطيل القوانين عبر أوامر ولائية، فإنها تمارس دوراً "تعطيلياً" يسبق البت في الدستورية، مما قد يفضي إلى اختلال التوازن المؤسسي ويجعل العملية التشريعية عرضة للتوقف عند أي طعن مقدم، وهو ما يفتح الباب أمام مخاطر "تسييس القضاء" أو استخدامه كأداة في الصراعات السياسية لتجميد تشريعات بعينها بعيداً عن المسارات البرلمانية المتعارف عليها.

علاوة على ذلك، فإن تمكين القضاء من تعطيل التشريعات النافذة باجتهادات وقتية يهدد اليقين القانوني؛ حيث تصبح القوانين في حالة ارتياب دائم، خاضعة لمعايير قد تبدو انتقائية في أحيان أخرى، خصوصاً عند تفاوت قرارات المحكمة في إصدار الأوامر الولائية بين حالات متشابهة. هذا التباين يقوض الثقة في استقرار النظام التشريعي ويحول المحكمة الاتحادية، من جهة رقابية تضمن علو الدستور، إلى "سلطة تشريعية موازية" تمتلك حق الفيتو القضائي على القوانين، وهو ما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى حالة من "الشلل التشريعي" وفقدان الثقة في فاعلية المؤسسة البرلمانية.

إن الحفاظ على هيبة القضاء واستقلال السلطة التشريعية يتطلب تدخلاً تشريعياً عاجلاً لتنظيم الحماية الدستورية الوقتية بضوابط صارمة تمنع التوسع في استخدام القضاء الولائي ضد التشريعات النافذة. فالاستقرار القانوني والسياسي يعتمد بالدرجة الأولى على احترام الحدود الفاصلة بين المهام الدستورية، بما يضمن عدم تغول السلطة القضائية على الاختصاصات الحصرية للبرلمان، وبما يكفل بقاء الأوامر الولائية في نطاقها التحفظي الضيق دون المساس بأصل الحقوق أو تعطيل القوانين التي تمثل إرادة الشعب الممثلة بمنتخبيه.

 

المحامي الدكتور ماجد الربيعي

المدير المفوض شركة المسلة الدولية

خبير في القانون التجاري الدولي