التفاصيل

انعتاق الجسد من قيد التسليع: قراءة قانونية وفلسفية في حظر الاتجار بالأعضاء البشرية

يمثل التقدم المذهل في هندسة الجراحة وعلم زراعة الأنسجة أحد أبهى انتصارات العقل البشري، حيث تحول حلم استبدال الأعضاء التالفة بأخرى سليمة إلى واقع يعيد الحياة لمن أشرفوا على الهلاك؛ غير أن هذا الفتح الطبي سرعان ما اصطدم بظلال قاتمة حولت "الجسد" من كيان مقدس إلى "سلعة" بيولوجية تتقاذفها أمواج السوق في الأنظمة المادية الحديثة. إن المتاجرة بالأعضاء البشرية كالخلايا، والدم، والرئتين، والكبد، وقرنيات العيون لم تعد مجرد ممارسة طبية منحرفة، بل استحالت قطاعاً استثمارياً غير مشروع يسعى لتحقيق أقصى درجات الربح، ضارباً عرض الحائط بالقيم الأخلاقية، ومحولاً الفقر والحاجة إلى سوق مفتوحة لنزع الأحشاء وتجارة الأرواح.

لقد تنبه المجتمع الدولي مبكراً لخطورة هذا المنزلق الأخلاقي، فصنف "بروتوكول منع وقمع والاتجار بالأشخاص" نزع الأعضاء كصورة صارخة من صور الاستغلال البشري، وتبنت غالبية التشريعات الجنائية المعاصرة هذا التوجه، معتبرة أن أي فعل يتضمن نقل الأعضاء أو استئصالها باستخدام القسر أو الخداع أو الابتزاز المادي يمثل جريمة اتجار بالبشر مكتملة الأركان. وفي هذا السياق، أرست اتفاقية مجلس أوروبا لحقوق الإنسان والطب الحيوي مبدأً جوهرياً يقضي بأن جسد الإنسان وأجزاءه لا يجوز أن تكون مصدراً للكسب المالي، وهي ذات الرؤية التي تبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها التاريخي رقم (59/156)، الذي شجبت فيه "تسليع الجسد" وحثت الدول على تشديد العقوبات لمكافحة استئصال الأعضاء غير القانوني، مؤكدة أن كرامة الإنسان تعلو ولا يُعلى عليها.

وعلى هدى هذه المبادئ، صاغت منظمة الصحة العالمية وإعلان إسطنبول لعام 2008 خارطة طريق أخلاقية، تؤكد أن التبرع بالأعضاء يجب أن يظل فعلاً سامياً نابعاً من إرادة حرة ومجانية مطلقة، محذرة من مغبة "سياحة زراعة الأعضاء" التي تستغل الثغرات القانونية في الدول النامية. وقد انعكست هذه الروح في التشريعات العربية الرصينة، حيث حظر القانون العراقي رقم 85 لسنة 1986، بيع أو شراء الأعضاء بأي وسيلة كانت، مع تحميل الأطباء مسؤولية جنائية ومهنية جسيمة في حال مضيهم في إجراء عمليات تحوم حولها شبهة التربح المادي.

وفي قراءة متعمقة للقانون المصري رقم 5 لسنة 2010، نجد أنه قدم مقاربة تشريعية هي الأكثر نضجاً وشمولاً، حيث أقام بنيانه على مبدأ "الضرورة العلاجية القصوى"، مشترطاً أن يكون الزرع هو الوسيلة الوحيدة لإنقاذ حياة المتلقي، مع وضع ضوابط صارمة تمنع اختلاط الأنساب أو تعريض المتبرع لخطر جسيم. كما حمى هذا القانون النسيج الاجتماعي عبر تقييد عمليات النقل بين المصريين والأجانب إلا في حالات الزواج الموثق المستقر، منعاً لتحول البلاد إلى ساحة للاتجار العابر للحدود. ولم يقف المشرع عند حدود الأحياء، بل نظم "الوصية المقدسة" بنقل الأعضاء من المتوفين سريرياً (وفاة جذع المخ) وفق معايير يقينية، تحت إشراف "لجنة عليا لزرع الأعضاء" تضمن عدالة التوزيع وفق قوائم انتظار وطنية شفافة، لتظل عملية وهب الأعضاء جسراً للرحمة والتكافل الإنساني، لا معولاً لهدم القيم واستباحة الحرمات الجسدية.

 

 

المحامي الدكتور ماجد الربيعي

المدير المفوض شركة المسلة الدولية

خبير في القانون التجاري الدولي