التفاصيل

الشكوى من القضاة بين استقلال القضاء وضمانة حقوق المتقاضين

إن الحديث عن الشكوى من القضاة في قانون المرافعات المدنية العراقي لا يمكن اختزاله في كونه إجراءً شكلياً أو وسيلة استثنائية محدودة الأثر، بل هو تعبير تشريعي واضح عن إرادة المشرع في إقامة توازن دقيق بين مبدأ استقلال القضاء بوصفه أحد أعمدة الدولة القانونية، وبين ضمانة حماية حقوق المتقاضين من أي انحراف جسيم قد يطرأ على الأداء القضائي. فالقاضي، وإن كان يتمتع بمكانة رفيعة وحصانة وظيفية تفرضها طبيعة عمله في الفصل بين الخصومات، إلا أنه يبقى خاضعاً لحكم القانون، وغير معصوم من الوقوع في الخطأ المهني الجسيم أو السلوك المنحرف الذي يمس جوهر العدالة، وهو ما استوجب تنظيم مساءلته وفق ضوابط دقيقة تحول دون التعسف أو الاستعمال الكيدي لهذا الحق.

وقد نظم المشرع العراقي نظام الشكوى من القضاة في الباب الرابع من قانون المرافعات المدنية، واضعاً له نطاقاً محدداً على سبيل الحصر، حين أجاز لكل من طرفي الخصومة، استناداً إلى المادة (286)، أن يشكو القاضي أو هيئة المحكمة أو أحد أعضائها في حالات تتسم بالخطورة الاستثنائية، كوقوع الغش أو التدليس أو الخطأ المهني الجسيم عند أداء الوظيفة بما يخالف أحكام القانون، أو إذا كان ذلك بدافع التحيز أو بقصد الإضرار بأحد الخصوم، وعد من قبيل ذلك بوجه خاص تغيير أقوال الخصوم أو الشهود أو إخفاء السندات أو الأوراق الصالحة للاستناد إليها في الحكم. كما وسع النص من نطاق الحماية ليشمل حالة قبول القاضي منفعة مادية لمحاباة أحد الخصوم، أو امتناعه عن إحقاق الحق، سواء برفضه غير المبرر الإجابة على عريضة مقدمة له، أو بتأخير اتخاذ ما يقتضيه الشأن بشأنها دون مسوغ، أو بالامتناع عن نظر دعوى مهيأة للمرافعة وإصدار القرار فيها بعد حلول دورها، وذلك بعد إعذاره رسمياً وفق الأصول المحددة قانوناً.

ويستفاد من هذا التنظيم أن الشكوى من القضاة لا تشكل طريقاً للطعن في الأحكام ولا وسيلة لمراجعة القناعة القضائية، وإنما هي آلية مساءلة استثنائية مرتبطة بسلوك مهني جسيم يمس نزاهة القضاء أو يعصف بحقوق المتقاضين، وهو ما يفرض التمييز الصارم بينها وبين نظام رد القاضي أو تنحيه. فالرد أو التنحي يقصد بهما درء شبهة عدم الحياد أو تضارب المصالح قبل وقوع الخطأ، في حين أن الشكوى لا تقوم إلا بعد تحقق فعل جسيم مخالف للقانون. ومن ثم فإن استبدال الشكوى بطلب الرد في حالات الانحراف المهني الجسيم يؤدي عملياً إلى تعطيل الغاية التشريعية من هذا النظام، ويبقي الأفعال الخطيرة دون مساءلة حقيقية، بما يفرغ النص من مضمونه الرقابي.

وقد أحاط المشرع هذا النظام بجملة من الضمانات الإجرائية التي تؤكد جديته وحساسيته، إذ أوجب في المادة (287) أن تقدم الشكوى بعريضة إلى محكمة الاستئناف التي يتبع لها القاضي المشكو منه، مع استثناء الحالات التي تتعلق برئيس محكمة الاستئناف أو أحد قضاتها، حيث تقدم الشكوى إلى محكمة التمييز. كما اشترط أن تكون العريضة موقعة من المشتكي أو من وكيله بتوكيل خاص مصدق من الكاتب العدل، وأن تتضمن بيانات محددة تتعلق بأطراف الشكوى وأسبابها وأسانيدها، وأن ترفق بما يؤيدها من مستندات، فضلًا عن إيداع تأمينات مالية، وهي شروط لا تهدف إلى التضييق على المتقاضي، بل إلى منع الشكاوى الكيدية وصون هيبة القضاء من العبث.

وفي السياق ذاته، شدد القانون في المادة (288) على ضرورة التزام اللياقة والاحترام في صياغة عريضة الشكوى أو عريضة الإعذار، مانعاً تضمينها عبارات تمس كرامة القاضي، ورتب على مخالفة ذلك فرض غرامة مالية، وهو ما يعكس حرص المشرع على الفصل بين حق المساءلة المشروع وبين الإساءة الشخصية أو التشهير غير المقبول. كما رتب القانون أثراً وقائياً مهماً يتمثل، وفق المادة (289)، في منع القاضي المشكو منه من نظر دعوى المشتكي أو أية دعوى أخرى تتعلق به أو بأقاربه حتى الدرجة الرابعة إلى حين البت في الشكوى، ضماناً لحياد الإجراءات وسلامة مركز الخصوم.

وبعد تبليغ عريضة الشكوى إلى القاضي المشكو منه، ألزمه المشرع بالإجابة عليها تحريراً خلال مدة محددة، ثم خول المحكمة المختصة تدقيق الأوراق من حيث تعلق أوجه الشكوى بالدعوى وجواز قبولها، وفق ما نصت عليه المادة (290)، فإذا رأت المحكمة توافر شروط القبول قررت السير في نظر الشكوى، وإلا قررت عدم قبولها. وفي حال عدم ثبوت الشكوى أو عجز المشتكي عن إثبات ما نسبه إلى القاضي، أجاز القانون، بموجب المادة (291/1)، الحكم عليه بغرامة وتعويض المشكو منه عما لحقه من ضرر، تستوفى من مبلغ التأمينات، في تأكيد صريح على حماية القاضي من الادعاءات الكيدية. أما إذا ثبتت صحة الشكوى، فإن المحكمة تقضي بإلزام القاضي المشكو منه بتعويض الضرر الذي أصاب المشتكي، مع تبليغ مجلس القضاء الأعلى لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، بما يحقق الغاية الردعية والتصحيحية للنظام.

ويكتسب نظام الشكوى من القضاة طابعاً أكثر خصوصية من حيث طرق الطعن، إذ أجاز المشرع الطعن في القرار الصادر بشأنها أمام الهيئة الموسعة لمحكمة التمييز، وفقاً للمادة (292)، وليس أمام إحدى هيئاتها الاعتيادية، وهو ما يعكس الطبيعة الاستثنائية لهذه المنازعة، وحرص المشرع على إخضاعها لأعلى درجات الرقابة القضائية، تحقيقاً للتوازن بين حماية القاضي ومنع التجاوزات من جهة، وضمان حق المتقاضي في المساءلة من جهة أخرى.

وفي هذا الإطار، استقر الفقه والقضاء على أن قضاة محكمة التمييز الاتحادية غير مشمولين بنظام الشكوى من القضاة، نظراً لمكانة هذه المحكمة بوصفها أعلى سلطة قضائية في الدولة، وما يقتضيه دورها الرقابي من أن تكون خارج نطاق المساءلة المباشرة عبر هذا الطريق الاستثنائي. ويعد هذا الاستثناء ضرورة قانونية ومنطقية لضمان استقلال القضاء الأعلى، دون أن يعني ذلك انتقاصاً من حقوق المتقاضين، إذ تخضع أعمال محكمة التمييز لآليات رقابية وقانونية خاصة تتلاءم مع طبيعتها وموقعها في البناء القضائي.

وبذلك يتضح أن نظام الشكوى من القضاة، بما انطوى عليه من قيود وضمانات وشروط دقيقة، لا يستهدف النيل من هيبة القضاء أو التشكيك في نزاهته، بل يرمي إلى ترسيخ الثقة بالعدالة من خلال توفير وسيلة قانونية استثنائية لمساءلة الخطأ المهني الجسيم عند تحققه، مع حماية القاضي من التعسف والكيد. وهو ما يجعل احترام هذا النظام وتطبيقه في حدوده التي رسمها القانون، مع إدراك استثناء قضاة محكمة التمييز، شرطاً لازماً لتحقيق العدالة المتوازنة التي تحفظ استقلال القضاء وتصون في الوقت ذاته حقوق المتقاضين، وهو جوهر الغاية التي ابتغاها المشرّع من هذا التنظيم.

المحامي الدكتور ماجد الربيعي

المدير المفوض شركة المسلة الدولية

خبير في القانون التجاري الدولي