التفاصيل
المسؤولية القانونية والجزائية للشخص المعنوي عن جرائم الاتجار بالبشر
تعد جريمة
الاتجار بالبشر انتهاكاً جسيماً لحقوق الإنسان المقرة دولياً، وهي ظاهرة عابرة
للحدود تمس بتأثيراتها دول العالم كافة، بصفتها جريمة منظمة ترتكب على المستويين
الوطني والدولي دون اعتداد بالاعتبارات الجغرافية أو الثقافية. وإذ تصنف هذه
الجريمة كثالث أكبر تجارة غير مشروعة عالمياً بعد السلاح والمخدرات، فإن مسارات
استغلال الضحايا قد تمتد لتصل إلى أبعد المناطق النائية، مما يؤكد عدم وجود إقليم
يتمتع بحصانة ضدها. ولا يقتصر ارتكاب هذه الأفعال على الأشخاص الطبيعيين، بل يمتد
ليشمل الشخصية المعنوية، وهي الكيانات القانونية المتمثلة في مجموعات الأشخاص
والأموال التي يعترف لها القانون بحقوق والتزامات مستقلة، سواء كانت أشخاصاً
معنوية عامة تهدف لتحقيق المصالح العليا للسلطة العامة، أو خاصة تهدف لمصالح
الأفراد.
وفي ظل
المجتمع الحديث، تعاظم دور الأشخاص المعنوية ونفذت إلى شتى الأنشطة، مما أدى
بالتبعية إلى زيادة مخاطرها وأضرارها نتيجة اقتراف الأفعال المجرمة قانوناً؛ إذ
غالباً ما ترتكب جرائم الاتجار بالبشر وما يرتبط بها من جنايات خطرة من خلال
الكيانات القانونية أو خلف ستار الشركات والمنظمات الخيرية المصطنعة لتضليل
الملكية الحقيقية والمعاملات المشبوهة. ولهذا، أرست اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة
الجريمة المنظمة عبر الوطنية مبدأ مسؤولية الأشخاص المعنوية (باستثناء الدولة)،
ورغم استقرار المسؤولية الدولية المدنية منذ أمد بعيد، إلا أن المسؤولية الجنائية
الدولية للكيانات الاعتبارية لا تزال تواجه اعتراضات فقهية وسياسية، وهو ما يفسر
تعثر تدوين "قانون مسؤولية الدولة عن الأفعال غير المشروعة دولياً" في
أروقة الأمم المتحدة منذ عام 2001.
وتقضي
الاتفاقية الدولية في المادة العاشرة (فقرة 1) بإلزام الدول الأطراف باتخاذ
التدابير اللازمة لإرساء مسؤولية الهيئات الاعتبارية عن المشاركة في الجرائم
الخطرة التي تضلع فيها جماعات إجرامية منظمة، أو الأفعال التي جرمتها الاتفاقية
والبروتوكولات الملحقة بها، ومنها بروتوكول منع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص.
وقد منحت المادة (10/2) مرونة للدول في تحديد طبيعة هذه المسؤولية سواء كانت
جنائية أو مدنية أو إدارية بما يتسق مع مبادئها القانونية الوطنية، شريطة أن تكون
الجزاءات فعالة ومتناسبة ورادعة، مع التأكيد في المادة (10/3) على أن مسؤولية
الشخص المعنوي لا تخل بالمسؤولية الجنائية الفردية للأشخاص الطبيعيين المرتكبين
للفعل، مما يسمح بملاحقة الطرفين معاً وفرض الجزاءات عليهما بشكل مزدوج.
وقد تبنت
التشريعات الوطنية هذا النهج، حيث نص قانون مكافحة الاتجار بالبشر العراقي رقم 28
لسنة 2012 في مادته التاسعة على أنه: "أولاً: يعاقب بغرامة لا تقل عن خمسة
ملايين دينار ولا تزيد عن خمسة وعشرين مليون دينار كل شخص معنوي ثبت اشتراكه
بالجريمة باسمه أو لحسابه أو لمنفعته ولا يخل هذا بالعقوبة التي تقرر بحق المدير
المفوض أو المسؤول عن إدارة الشخص المعنوي إذا ثبت اشتراكه في الجريمة. ثانياً:
للمحكمة حل الشخص المعنوي أو إيقاف نشاطاته بصورة نهائية أو مؤقتة أو غلق مقره إذا
ثبت ارتكابه لأحد الأفعال المنصوص عليها في هذا القانون". وفي ذات السياق، نص
قانون الإمارات الاتحادي رقم 51 لسنة 2006 في مادته السابعة على أنه: "يعاقب
الشخص المعنوي بالغرامة التي لا تقل عن مائة ألف درهم ولا تتجاوز مليون درهم إذا
ارتكب ممثلوه أو مديروه أو وكلاءه لحسابه أو باسمه إحدى جرائم الاتجار بالبشر،
وذلك دون إخلال بمسؤولية الشخص المعنوي التابع له ويجوز للمحكمة فضلاً عن ذلك
الحكم بحله أو بغلقه نهائياً أو مؤقتاً أو بغلق أحد فروعه"، وبذلك تتكامل
المنظومة العقابية بملاحقة الكيان الاعتباري مادياً ومعنوياً إلى جانب معاقبة
الجناة الطبيعيين.
المحامي
الدكتور ماجد الربيعي
المدير
المفوض – شركة المسلة الدولية
خبير في القانون التجاري الدولي