التفاصيل

استلاب الكرامة تحت ستار البحث العلمي: المقاربة القانونية لتجريم التجارب الطبية في إطار مكافحة الاتجار بالبشر

تعد التجارب الطبية، في جوهرها العلمي، تلك المنظومة من الأبحاث والدراسات المنهجية التي يجريها المتخصصون على العنصر البشري، سواء كان مريضاً ينشد الشفاء أو متطوعاً يبتغي خدمة العلم، وذلك بهدف استجلاء الآثار الحيوية لعقاقير مستحدثة أو قياس نسب نجاح تدخلات جراحية لم تتبلور نتائجها النهائية بعد، وهو ما اصطلح القانون الفرنسي رقم (88-1138) على تعريفه بأنه سعي حثيث لتطوير العلوم الحيوية الطبية، إلا أن هذا المسار العلمي، رغم نبل مقاصده الظاهرية، يمثل في جوهره أحد أخطر التحديات التي واجهت الكرامة الإنسانية عبر التاريخ، فالتجارب البيولوجية بطبيعتها تنطوي على احتمالات عالية من المخاطر والمضاعفات غير المحسوبة التي قد تفتك بالسلامة الجسدية للخاضعين لها، خاصة وأن التاريخ البشري مثقل بانتهاكات صارخة، لعل أبشعها ما اقترفه الأطباء في الحقبة النازية من تجارب وحشية وقاتلة بحق آلاف السجناء، وهي الفظائع التي قادتهم إلى منصات القضاء في محكمة "نورمبرغ" عام 1946 بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، مما أطلق صرخة عالمية لتقنين هذا المجال وحماية الجسد البشري من التغول العلمي غير المنضبط.

ونتيجة لهذا الإرث المأساوي، أصبحت قضية التجارب الطبية والبيولوجية المحور الذي تدور حوله صياغة الصكوك الدولية المعنية بالقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، حيث سارعت اتفاقية جنيف الأولى لعام 1949 في مادتها الثانية عشرة إلى حظر التعذيب أو التجارب البيولوجية على الجرحى والمرضى، تلاها البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 الذي قطع الطريق على أي تجاوزات في المادة الحادية عشرة، مانعاً إجراء التشويه البدني أو التجارب العلمية أو نزع الأنسجة حتى لو صدرت موافقة من الضحية نفسها، تعبيراً عن مبدأ أصيل بأن جسد الإنسان ليس محلاً للتعاقد أو التنازل، كما امتدت هذه الحماية لتشمل الفئات الأكثر استضعافاً، حيث نصت اتفاقية حماية الأشخاص المصابين بمرض عقلي لعام 1991 على حظر التجارب الإكلينيكية دون موافقة واعية، واشترطت في حالات العجز عن الإدراك وجود هيئة فحص مستقلة ومختصة، وهو ما يتقاطع مع ميثاق "هلسنكي" الذي اشترط الموافقة الكتابية الصريحة ووضع ضوابط صارمة للقصر وفاقدي الأهلية بما يحفظ كرامتهم وحقوقهم القانونية والأخلاقية.

ولم تقتصر هذه الحماية على الأطر الدولية، بل تجسدت في صلب الدساتير والتشريعات الوطنية الحديثة التي رفعت من سقف الحصانة الجسدية؛ فالدستور المصري لعام 2014، في مادته الستين، جعل من جسد الإنسان حرماً مقدساً، واعتبر التمثيل به أو المتاجرة بأعضائه جريمة لا تغتفر، مشترطاً لشرعية أي تجربة طبية وجود "رضا حر وموثق" وفقاً للأصول العلمية المستقرة، وبذات النهج أوجب قانون حماية الصحة الجزائري ضرورة الامتثال الصارم للمبادئ الأخلاقية أثناء البحث العلمي، ومع ذلك، فإن الواقع العملي كشف عن ثغرات مظلمة تمثلت في تواطؤ بعض المؤسسات الاستشفائية مع كبريات الشركات التجارية لتحويل الإنسان إلى حقل تجارب ربحي، كما حدث في الفضيحة التي هزت بريطانيا حين كشف عن بيع غدد نخامية من جثث الأطفال لشركة أدوية لإنتاج هرمونات النمو، ولم تتوقف تلك المأساة إلا بعد أن حصدت أرواح العديد من المرضى، مما يؤكد أن الاستغلال الطبي قد يتحول إلى تجارة منظمة تتخطى الحدود الأخلاقية وتستبيح الحقوق الأساسية تحت مسميات التطوير الدوائي.

وفي هذا السياق القانوني المتطور، بدأت التشريعات تنظر إلى استغلال البشر في التجارب الطبية غير القانونية باعتباره وجهاً حديثاً وبشعاً من وجوه الاتجار بالبشر، وهو ما تجسد بوضوح في قانون مكافحة الاتجار بالبشر العراقي رقم 28 لسنة 2012، الذي قدم صياغة قانونية شاملة، حيث صنف عمليات تجنيد الأشخاص أو نقلهم أو إيوائهم عن طريق القهر أو الاحتيال أو استغلال السلطة لغرض إخضاعهم لـ "التجارب الطبية" ضمن جرائم الاتجار بالبشر، مساوياً إياها في الرادع الجنائي بجرائم الاسترقاق ونزع الأعضاء والدعارة، وبذلك أصبحت الحماية القانونية لا تقتصر فقط على منع التجاوزات الطبية، بل تمتد لتجريم كل من يساهم في تحويل الكائن البشري إلى سلعة بيولوجية تحت ستار البحث العلمي، مؤكدة أن التقدم التكنولوجي لا يمكن أن يقوم على أنقاض الكرامة الإنسانية أو استغلال حاجة وضعف البشر.

المحامي الدكتور ماجد الربيعي

المدير المفوض شركة المسلة الدولية

خبير في القانون التجاري الدولي