التفاصيل
مأزق "الرجعة الجزائية": قراءة نقضيه للمادة (8) من قانون العفو العام العراقي في ضوء ثبات المراكز القانونية
يمثل العفو العام في الفلسفة القانونية المعاصرة ذروة
التسامح السيادي للدولة، وأداة استراتيجية لترميم التصدعات الاجتماعية وتصفير
الأزمات الاستثنائية، فهو ليس مجرد إجراء تخفيفي، بل هو قوة قانونية
"ماحية" تسقط الجريمة وتواري حكم الإدانة في ثرى النسيان التشريعي. وقد
رسخ المشرع العراقي هذا المفهوم في متن قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة
1969، لا سيما في المادتين (150 و153)، معتبراً العفو العام سبباً جوهرياً لانقضاء
الدعوى الجزائية وإلغاء كافة العقوبات والتدابير، وهو ما عضده قانون أصول
المحاكمات الجزائية العراقي رقم (23) لسنة 1971 في مادتيه (302 و305)، بتقريره أن
قرار غلق الدعوى نهائياً يُعد سداً مانعاً أمام استئناف أي ملاحقة، صوناً لمبدأ
"الأمن القانوني" وحمايةً لحجية الأحكام الباتة.
بيد أن هذا الصرح القانوني المستقر واجه هزة ارتدادية
بصدور قانون العفو العام العراقي رقم (27) لسنة 2016، وتحديداً في مادته الثامنة،
التي استحدثت استثناءً يزلزل أركان النظرية العامة للعفو، إذ نصت على إمكانية
انبعاث العقوبات "المعفو عنها" من مرقدها وتنفيذها مجدداً بحق المستفيد،
إذا ما اقترف جناية عمدية خلال خمس سنوات من تاريخ إعفائه. هذا النص يضعنا أمام
تعارض صارخ مع القواعد الكلية المستقرة في قانون العقوبات العراقي؛ فكيف يمكن للعفو
الذي يمحو الجريمة وآثارها بصورة مطلقة أن يتحول إلى "سيف دمشقي" معلق
فوق رقاب المشمولين به؟ إن منح السلطة القضائية العراقية صلاحية الرجوع عن قرارات
نهائية يعد مساساً بمبدأ عدم رجعية القوانين وتجاوزاً على المراكز القانونية التي
اكتسبت حصانة تامة بصدور العفو وفق الدستور العراقي.
وتتجسد ذروة التناقض التشريعي عند مقارنة المادة (8)
بالمادة (1) من ذات قانون العفو العام العراقي، فالأخيرة أعلنت صراحة أن العفو
الممنوح هو "عفو عام" ومطلق، غير مقيد بشروط زمنية أو سلوكية لاحقة. إن
إقحام "الشرط الواقف" أو "الفاسخ" في ماهية العفو العام يحوله
إلى مسخ تشريعي يجمع بين طبيعة العفو العام وخصائص العفو المشروط، مما يهدر فلسفة
التشريع التي قامت على طي صفحة الماضي لا رهنها بسلوك المستقبل. هذا الارتباك
المفاهيمي يؤدي بالضرورة إلى إخلال جوهري بمبدأ "استقرار الأحكام" الذي
تضمنه البيئة القانونية العراقية، ويجعل من قرار القضاء بإيقاف الإجراءات
"إيقافاً نهائياً" مجرد إجراء مؤقت قابل للنقض، وهو ما يتنافى مع أصول
المحاكمات المستقرة في قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي.
وعلى الصعيد العملي، تصطدم المادة (8) بحقيقة القرارات
الصادرة عن اللجان القضائية العراقية ومحاكم الجنايات والجنح، والتي تذيل قراراتها
بعبارة "غلق الدعوى نهائياً"؛ فمن الناحية الفنية، يُعد قرار الغلق
النهائي عنواناً للحقيقة القضائية التي لا تقبل التراجع وفق القواعد العامة في
العراق. إن إعادة فتح الملفات التحقيقية أو استئناف تنفيذ العقوبات يمثل سابقة
خطيرة تشرعن "العدالة المتراجعة"، وتمس بهيبة القضاء العراقي الذي يفترض
أن تكون أحكامه ثابتة لا تتغير بتغير السلوك اللاحق للمتهم، طالما أن العفو قد
شمله بصفته عفوًا عامًا لا لبس فيه.
ختاماً، إن المادة (8) من قانون العفو العام العراقي
لسنة 2016 لا تقف عند حدود الإشكال القانوني، بل تتعداه لتكون مهدداً للثقة العامة
بالمنظومة التشريعية. إن استقرار النظام القانوني في العراق يستوجب تنقية قوانين
العفو من هذه النصوص الهجينة التي تخلط بين العقاب والمنة، وتجعل من الحقوق
المكتسبة مجرد وعود معلقة. إن الضرورة تقتضي مراجعة هذا النص لضمان انسجامه مع
الدستور العراقي وضمانات الأفراد، تأكيداً على أن العدالة الحقيقية هي التي تحترم
مواعيدها النهائية ولا ترتد على أعقابها.
المحامي الدكتور ماجد
الربيعي
المدير المفوض –
شركة المسلة الدولية
خبير في القانون
التجاري الدولي