التفاصيل
أسباب الطعن… بين النص والغاية: قراءة في اتجاهين قضائيين
أسباب الطعن… بين النص والغاية: قراءة في اتجاهين قضائيين
يثير تطبيق المادة (189) من قانون المرافعات المدنية إشكالاً إجرائياً مهماً يتعلق بطبيعة أسباب الطعن وحدود اتصالها بالميعاد القانوني، ولا سيما عند الموازنة بين متطلبات الشكل من جهة، والغاية التي توخاها المشرع من تنظيم طرق الطعن بوصفها وسيلة للرقابة على سلامة الأحكام وتحقيق المشروعية القانونية من جهة أخرى. وقد تجسد هذا الإشكال عملياً من خلال اتجاهين صدرا عن محكمة التمييز الاتحادية خلال شهر كانون الأول 2025، عبرا عن قراءتين مختلفتين للنص ذاته في إطار وقائعي متقارب.
ففي القرار المرقم 5410/هيئة استئنافية منقول/2025 بتاريخ 22/12/2025، اتجهت المحكمة إلى اعتبار خلو عريضة الطعن الاستئنافي من الأسباب عند تقديمها موجباً لرد الطعن شكلاً، وذهبت إلى أن استكمال الأسباب بلائحة لاحقة بعد انقضاء المدة القانونية لا يرتب أثراً قانونياً، رغم ملاحظة وجود مخالفة قانونية في الحكم المطعون فيه، وهو ما يعكس فهماً يربط القبول الشكلي باكتمال المتطلبات الإجرائية منذ لحظة مباشرة الطعن.
وفي المقابل، وفي القرار المرقم 8764/الهيئة الاستئنافية عقار/2025 بتاريخ 28/12/2025، رأت المحكمة أن تقديم الطعن ضمن المدة القانونية يحقق شرط القبول الشكلي، وأن إلحاق أسبابه قبل الجلسة الأولى وقبل شروع المحكمة بالمرافعة، ولا سيما في حال عدم تبليغ الخصم الآخر، ينسجم مع الغاية التي قصدها المشرع من اشتراط الأسباب، ولا يمس بحقوق الدفاع أو بحسن سير الخصومة، وانتهت تبعاً لذلك إلى نقض الحكم الذي رد الطعن شكلاً.
ويلاحظ أن الاختلاف بين القرارين لا يعود إلى تعدد النصوص القانونية أو اختلاف الوقائع، وإنما إلى التكييف القانوني لمفهوم أسباب الطعن وحدود دورها الإجرائي. فالمشرع، وإن اشترط اشتمال عريضة الطعن على الأسباب، إلا أنه لم يضع تعريفاً تشريعياً لها، ولم يحدد شكلاً معيناً أو قدراً أو عدداً أو كماً معيناً لتفصيلها، كما لم ينص صراحة على وجوب اكتمال بيانها تفصيلاً ضمن المدة القانونية ذاتها. الأمر الذي يدل على أن المقصود من الأسباب هو إظهار عدم الرضا عن الحكم وادعاء مخالفته للقانون، لا الالتزام بصياغة شكلية جامدة قد تتحول إلى غاية بذاتها.
ويتعزز هذا الفهم من واقع التطبيق القضائي، إذ استقر العمل، في غير قليل من الحالات، على أن محكمتي الاستئناف والتمييز تمارسان رقابتهما على الحكم المطعون فيه من حيث سلامته القانونية، فتقضيان بفسخه أو نقضه لأسباب لم ترد صراحة في لوائح الطعن، وإنما تستخلصها المحكمة من تلقاء نفسها عند تدقيق الحكم وأوراق الدعوى، متى تبين لها وجود خطأ قانوني أو خلل جوهري مؤثر في النتيجة. وهو ما يؤكد أن أسباب الطعن لا تشكل قيداً على ولاية المحكمة، وإنما وسيلة تنظيمية تعينها على أداء وظيفتها الرقابية.
ومن ثم، فإن تفسير المادة (189) لا يستقيم إذا عزل عن باقي نصوص قانون المرافعات التي رسمت وظيفة محكمتي الاستئناف والتمييز وحددت نطاق ولايتهما، وبما يحقق التوازن بين احترام المواعيد والإجراءات من جهة، وضمان سلامة الأحكام وعدم تحصين الخطأ القانوني من جهة أخرى. ذلك أن الغاية النهائية من تنظيم طرق الطعن لم تكن يوماً تكريس الشكل على حساب الحق، بل تمكين القضاء من تصويب الأحكام وصيانة المشروعية وتحقيق العدالة.
6730