التفاصيل

"التوقيف او الحبس الاحتياطي والتعويض عند الافراج "

"التوقيف او الحبس الاحتياطي والتعويض عند الافراج "
دراسة نقدية في القانون العراقي والموقف المقارن، إشكالية الفراغ التشريعي وغياب الحق تتعلق هذه الدراسة بإحدى أكثر نقاط الضعف في حماية الحرية الشخصية، وهي حالة الحبس الاحتياطي الذي ينتهي بالإفراج عن المتهم أو الحكم ببراءته، وتحديداً عندما يكون الأساس هو عدم كفاية الأدلة. إن الحبس الاحتياطي، رغم ضرورته كإجراء احترازي لضمان سير التحقيق، يُمثل أشد صور المساس بالحرية.
الإشكالية المحورية التي تطرحها هذه الحالة في النظام القانوني العراقي ليست في تفسير نص، بل في الفراغ التشريعي المطلق؛ حيث لا يجد الفرد الذي عانى من تقييد حريته أي سند قانوني للمطالبة بالتعويض، لأن القانون لم يقر له هذا الحق أصلاً.
والسؤال الجوهري الذي يطرح نفسه: هل يجب على الدولة تعويض الفرد الذي عانى من هذا التقييد لحريته، وإن كان الإفراج لعدم كفاية الأدلة لا يرقى إلى مرتبة البراءة؟
أولاً: الفراغ التشريعي العراقي: يكشف استقراء النصوص القانونية في جمهورية العراق عن فراغ تشريعي واضح وقصور في معالجة هذه المسألة، وهو ما يؤكد الفرضية النقدية لهذا المقال عدم وجود نص خاص للتعويض عن الإجراءات المشروعة: خلافاً لبعض التشريعات المقارنة، لا يوجد في قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي (رقم 23 لسنة 1971) ولا في قانون العقوبات ما يمنح المتهم المُفرج عنه لعدم كفاية الأدلة حقاً مباشراً في التعويض عن مدة توقيفه. ويقتصر الموقف القانوني العراقي على التعامل مع الإجراءات الجزائية في سياقها التقليدي.
يترك القانون العراقي المتهم الذي قُيدت حريته ثم أُفرج عنه لعدم كفاية الأدلة، دون أي جبر للضرر، معتبراً أن الحبس الاحتياطي كان إجراءً شرعياً اتُخذ للصالح العام، مما يؤكد الموقف السلبي للتشريع تجاه هذه الفئة.
ثانياً: الموقف المقارن وتوجهات العدالة الحديثة: على النقيض من الموقف العراقي، تبنت العديد من التشريعات الحديثة مبدأ المسؤولية دون خطأ (مسؤولية الدولة على أساس المخاطر أو المساواة أمام الأعباء العامة) لتعويض الموقوف البريء:
1- في القانون المصري : تبنى المشرع المصري مبدأ التعويض عن الضرر الأدبي في المادة 721 من قانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950 (معلقاً تطبيق التعويض المادي على صدور قانون خاص). ويشترط القانون المصري صراحة أن يكون الحكم الصادر هو البراءة أو الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى الجنائية (وهو ما يشمل عدم كفاية الأدلة في التطبيق العملي)، مما يعطي حماية أوسع للمتهم.
2- القانون الفرنسي و الألماني: تعتبر فرنسا وألمانيا من الدول الرائدة في تطبيق مسؤولية الدولة عن العدالة. فالحبس الاحتياطي يُمثل عبئاً خاصاً وغير متوقع يقع على عاتق الفرد لصالح المجتمع، مما يوجب تطبيق مبدأ المساواة أمام الأعباء العامة. ويُمنح التعويض في هذه الأنظمة لكل من ثبتت براءته النهائية بعد الحبس الاحتياطي، حتى لو لم يرتكب القاضي أي خطأ، بل يكفي أن يكون الضرر جسيماً وناشئاً عن إجراء مشروع.
الخلاصة إن عدم منح القانون العراقي حق التعويض للمتهم الذي أُفرج عنه لعدم كفاية الأدلة، يمثل فراغا تشريعياً يتعارض مع مبادئ العدالة الحديثة والحماية الفعالة لحرية الفرد. إن حالة "عدم كفاية الأدلة" في حكم الإفراج هي أقرب للبراءة في سياق التعويض، فالمتهم الذي يقضي أياماً في السجن ثم يُفرج عنه، يكون قد تحمل ضرراً غير مشروع من الناحية الإنسانية، وهو ضحية لإجراء ضروري كان يجب أن يحقق العدالة دون المساس بكرامته ومصالحه. وهنا يجب على المشرع العراقي التدخل بإصدار تشريع خاص ينص صراحة على تبني مبدأ مسؤولية الدولة الموضوعية دون خطأعن أضرار الحبس الاحتياطي ومنح حق التعويض لكل متهم يُفرج عنه أو يُبرأ لأي سبب بعد قضاء فترة توقيف، وبما يشمل صراحة حالة عدم كفاية الأدلة.